
النظام العربي الرسمي: قراءة نقدية بعد عقد من الاضطراب
تشريح لبنية النظام العربي ومحدّداته السياسية بعد موجات الربيع والثورات المضادة، وقراءة في أزمة الجامعة العربية ومسارات إعادة بناء الفعل الجماعي.
لم يعد ممكناً الحديث عن «نظام عربي» بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفناه في عقود القرن العشرين، فبعد عقد ونصف من الاضطراب الذي أعقب موجة 2011 وارتداداتها، تبدّلت خرائط النفوذ، وتراجعت مركزيات تقليدية كالقاهرة ودمشق وبغداد، وصعدت مراكز جديدة في الخليج، وتفكّكت أُطر الفعل الجماعي التي أرستها جامعة الدول العربية على مدى سبعة عقود.
تحاول هذه الدراسة تشريح بنية النظام العربي الراهن، ورصد المحدّدات الجديدة التي تحكم علاقاته الداخلية والخارجية، وقراءة الفرص المتاحة لإعادة بناء إطار عربي فاعل يستجيب لتحدّيات المرحلة.
أولاً: من نظام عربي إلى أنظمة إقليمية متعدّدة
شكّلت جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945 الإطار الجامع لدول المنطقة، وإن ظلّ فعلها الجماعي محدوداً بسبب التباينات السياسية والصراعات البينية. غير أن العقد الأخير أفرز أنظمة فرعية إقليمية أكثر فاعلية من الجامعة ذاتها: منظومة خليجية متماسكة نسبياً، وتكتّل مغاربي متعثّر، وشرق أوسط متشظٍّ بين محاور متصارعة.
أدّى هذا التحوّل إلى تراجع مفهوم «الأمن القومي العربي» الذي هيمن على الخطاب السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، لصالح مفاهيم أكثر واقعية كالأمن الإقليمي والمصالح الوطنية والشراكات الاختيارية. لم يعد الانتماء العربي في حدّ ذاته موجِباً للتنسيق، بل باتت الحسابات البراغماتية هي المحرّك الأساسي للسلوك السياسي.
ثانياً: أزمة الفعل الجماعي العربي
تعاني الجامعة العربية اليوم من أزمة مزدوجة: أزمة شرعية وأزمة أدوات. فمن جهة، تتراجع قدرتها على التعبير عن إرادة سياسية موحّدة في القضايا الكبرى، ومن جهة أخرى، تفتقر إلى الأدوات التنفيذية والعسكرية والاقتصادية اللازمة لترجمة قراراتها إلى واقع.
ملفّات كالأزمة السورية، والقضية الفلسطينية، والملف الليبي، والحرب السودانية، شكّلت جميعها اختبارات كاشفة لعجز النظام العربي الرسمي عن التدخّل الحاسم، وهو ما فتح الباب أمام قوى إقليمية غير عربية كتركيا وإيران وإسرائيل، وقوى دولية كالولايات المتحدة وروسيا والصين، لملء الفراغ ورسم خرائط المنطقة وفق مصالحها.
الانقسام حول المنهج والأدوات
لا يقتصر الانقسام العربي على التحالفات، بل يمتدّ إلى المنهج ذاته. فبينما تراهن مجموعة من الدول على الاستقرار وتغليب البُعد التنموي، تتمسّك أخرى بخيارات المواجهة والتغيير. وقد أفرز هذا التباين خطاباً سياسياً غير متجانس يصعب معه بناء توافقات على القضايا الكبرى، ولو في حدّها الأدنى.
ثالثاً: صعود المركز الخليجي
شكّل صعود دول الخليج، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، أبرز التحوّلات البنيوية في النظام العربي خلال العقد الأخير. لم يعد الخليج مصدر التمويل وحسب، بل أصبح صانع القرار ومركز المبادرات الدبلوماسية الكبرى: من الاتفاق مع إيران، إلى الوساطة في أوكرانيا، إلى إعادة العلاقات مع سوريا، إلى الانخراط النشط في الملفات الأفريقية.
يستند هذا الصعود إلى موارد اقتصادية هائلة، ومشاريع تحوّل داخلي طموحة كرؤية 2030، وشبكة علاقات دولية متوازنة، وسمعة إقليمية كوسيط مقبول لدى أطراف متباينة. غير أن استدامة هذا الدور تتوقّف على قدرة دول الخليج على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى تأثير سياسي مستدام، وعلى بناء أطر مؤسّسية عربية جديدة تتجاوز ثنائية «الغالب/المغلوب».
رابعاً: مسارات إعادة البناء
يقترح الباحث مساراً تدريجياً لإعادة بناء الفعل العربي المشترك يقوم على ثلاث ركائز: إصلاح ميثاق الجامعة العربية بما يمنحها آليات قرار أكثر فاعلية، وتفعيل الاتفاقات الاقتصادية القائمة كمنطقة التجارة الحرّة الكبرى، وبناء آليات أمنية مرنة تجمع بين مجموعات الدول المتوافقة دون اشتراط الإجماع.
كما يشدّد على أهمية بناء منظومة إعلامية وثقافية عربية جديدة، تعيد الاعتبار للفضاء العام العربي المشترك، وتواجه محاولات التجزئة الرمزية التي أنتجتها العقود الأخيرة، وتُرسّخ وعياً استراتيجياً بمصالح المنطقة كتلة واحدة أمام التحدّيات الوجودية.
خاتمة
لم يعد بناء نظام عربي فاعل ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية في ظل حجم التحدّيات الاستراتيجية التي تواجهها المنطقة. والفرصة اليوم قائمة أكثر من أي وقت مضى، شرط أن تتحرّر النخب السياسية العربية من إرث الشعارات، وتنطلق من الممكن نحو المرغوب عبر خطوات عملية متدرّجة، تُعيد للعمل العربي المشترك مصداقيته وفاعليته.


