الصين في الشرق الأوسط: من الاقتصاد إلى النفوذ
دراسات سياسية

الصين في الشرق الأوسط: من الاقتصاد إلى النفوذ

د. ماجد العتيبي2026-06-1512 دقيقة

رصد لصعود الدور الصيني في المنطقة العربية، وتحوّله من شراكة اقتصادية بحتة إلى حضور سياسي واستراتيجي متنامٍ يعيد تشكيل معادلات القوى التقليدية.

شكّلت الوساطة الصينية في الاتفاق السعودي–الإيراني في مارس 2023 لحظة الإعلان الرسمي عن تحوّل الصين من شريك اقتصادي في الشرق الأوسط إلى فاعل سياسي واستراتيجي مؤثّر. غير أن هذه اللحظة لم تكن مفاجئة، بل توّجت عقدين من العمل الصيني الصبور والمتدرّج لبناء حضور شامل في المنطقة، بدأ بالتجارة والطاقة، وامتدّ إلى البنية التحتية والتكنولوجيا، ووصل اليوم إلى الدبلوماسية والأمن.

تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك استراتيجية الصين في الشرق الأوسط، وتحديد أدواتها ومحدّدات نفوذها، وقراءة انعكاسات صعودها على المصالح العربية والتوازنات الإقليمية.

أولاً: الاقتصاد بوابةً للنفوذ

بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية عام 2024 أكثر من 400 مليار دولار، وهو رقم يفوق مجموع التجارة العربية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً. تستورد الصين قرابة نصف احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، فيما تُصدّر إليها سلعاً استهلاكية ومنتجات تكنولوجية بأحجام هائلة.

غير أن العلاقة تجاوزت مبادلات السلع نحو استثمارات ضخمة في البنية التحتية عبر مبادرة الحزام والطريق، من ميناء غوادر في باكستان إلى ميناء بيرايوس في اليونان، مروراً بمشاريع الطاقة والاتصالات في مصر والسعودية والإمارات والعراق. هذه الاستثمارات تنسج شبكة ترابط اقتصادي عميق يصعب الفكاك منه.

ثانياً: التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية

لعبت شركات مثل «هواوي» و«زد تي إي» دوراً مركزياً في بناء شبكات الجيل الخامس في عدد من الدول العربية، فيما تحوّلت الصين إلى شريك رئيسي في مشاريع المدن الذكية وأنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي. هذا الحضور التكنولوجي يمنح بكين نفوذاً استراتيجياً عميقاً، إذ يجعلها مزوّداً للبنية التحتية الرقمية للجيل القادم.

يمتدّ الدور التكنولوجي إلى قطاعات الفضاء والطاقة المتجدّدة والسيّارات الكهربائية، حيث باتت الصين شريكاً أساسياً في مشاريع رؤية 2030 السعودية ومشاريع الطاقة النظيفة في الإمارات، ما يعزّز الاعتماد المتبادل ويوسّع دائرة المصالح المشتركة.

مبدأ الشراكة دون تحيّز

يميّز الدبلوماسية الصينية في المنطقة مبدأ «الشراكة دون تحيّز»، إذ تحرص بكين على بناء علاقات قوّية مع أطراف متخاصمة في الوقت ذاته: السعودية وإيران، مصر وتركيا، الإمارات وقطر. هذا التوازن الحذر يمنحها هامش مناورة واسعاً، ويجعلها لاعباً مقبولاً لدى الجميع، خلافاً للحضور الأمريكي المرتبط بتحالفات صريحة.

ثالثاً: الانتقال إلى الدور السياسي والأمني

لم يعد الدور الصيني في الشرق الأوسط اقتصادياً بحتاً، بل بدأ يتّخذ أبعاداً سياسية وأمنية واضحة. فوساطة بكين بين الرياض وطهران، ومشاركتها المتزايدة في التمارين البحرية المشتركة، وحضورها في قاعدة جيبوتي، تشير جميعها إلى انتقال مقصود نحو ملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأمريكي التدريجي.

يبقى الحضور الأمني الصيني محدوداً حتى الآن مقارنة بالحضور الأمريكي، لكنه يتنامى بوتيرة مطّردة عبر بيع الأسلحة والطائرات المسيّرة، والتعاون الاستخباراتي، والمشاركة في تمارين مكافحة الإرهاب. وهو نموّ يعكس نضوج الرؤية الصينية للمنطقة بوصفها مجالاً حيوياً لمصالحها بعيدة المدى.

رابعاً: كيف تُدير الدول العربية علاقتها مع الصين؟

تواجه الدول العربية معادلة دقيقة في إدارة علاقتها مع الصين: كيف تستفيد من الفرص الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة التي تقدّمها بكين، دون الوقوع في فخّ الاستقطاب مع الولايات المتحدة؟ الجواب يكمن في مقاربة متوازنة تقوم على تنويع الشراكات دون الانحياز المطلق لأيّ طرف، وبناء قدرات وطنية تحدّ من الاعتماد الأحادي.

من الضروري أيضاً بناء أُطر تنسيق عربية للتعامل مع الصين، بدل التنافس الفردي على العروض الصينية بشروط متفاوتة. فقوّة التفاوض الجماعية أعلى بكثير من قوّة الدول المنفردة، خاصّة في ملفّات نقل التكنولوجيا والاستثمار الاستراتيجي.

خاتمة

الصعود الصيني في الشرق الأوسط ليس ظاهرة عابرة، بل معطى استراتيجي دائم سيتعمّق في العقود القادمة. الدول العربية أمام فرصة تاريخية لبناء شراكة نوعية مع بكين تحقّق مصالحها التنموية والاستراتيجية، شرط أن تُدار هذه العلاقة بذكاء وواقعية، وأن تُبنى على قاعدة الندّية والمصالح المشتركة، لا التبعية أو الاستقطاب.

دراسات ذات صلة في دراسات سياسية

العودة للأرشيف