
قراءة استراتيجية في التحوّلات العسكرية والدبلوماسية التي تعيد تشكيل معادلة الأمن الخليجي، ورصد لأدوار القوى الكبرى وموازين الردع الجديدة في منطقة الخليج العربي.
لم تعد منظومة الأمن الخليجي التي رُسمت خطوطها العريضة في أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991 قادرةً على استيعاب حجم التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة اليوم. فبين تراجع الحضور الأمريكي التقليدي، وصعود لاعبين جدد كالصين وروسيا، وتنامي قدرات الفاعلين من دون الدول، باتت دول مجلس التعاون أمام معادلة أمنية بالغة التعقيد تستدعي إعادة تعريف مفاهيم الردع والتحالفات ومصادر التهديد.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الأمن الخليجي يمرّ بمرحلة إعادة تأسيس شاملة، لا مجرّد تكيّف ظرفي مع أزمات عابرة. وتستند في تحليلها إلى مقاربة متعدّدة الأبعاد تجمع بين الاقتصاد السياسي وموازين الردع العسكري والبنية الدبلوماسية الإقليمية، اعتماداً على بيانات مفتوحة المصدر ومقابلات مع خبراء متخصّصين في الشأن الخليجي.
أولاً: البنية التاريخية للأمن الخليجي
شكّلت الحماية الأمريكية الركيزة الأساسية للأمن الخليجي منذ إعلان مبدأ كارتر عام 1980، وتعزّزت هذه الركيزة بعد تحرير الكويت وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية في كل من قطر والبحرين والكويت والإمارات. غير أن هذه المنظومة، رغم فاعليتها في مواجهة التهديدات التقليدية، أظهرت هشاشتها أمام تهديدات الجيل الجديد من الحروب الهجينة والاعتداءات غير المتماثلة.
أثبت هجوم أرامكو في سبتمبر 2019، والاستهدافات المتكرّرة للسفن التجارية في مياه الخليج، أن المظلّة الأمنية الأمريكية لم تعد تقدّم الردع الكافي، وأن كلفة الاعتماد الأحادي على قوّة خارجية باتت أعلى من عوائدها. هذه اللحظة الفارقة دفعت دول الخليج إلى إعادة النظر في معادلاتها الأمنية، والبحث عن مسارات جديدة تجمع بين تنويع الشراكات وبناء القدرات الذاتية.
ثانياً: التحوّلات الاستراتيجية الجارية
يمكن رصد أربعة تحوّلات كبرى تعيد اليوم تشكيل المشهد الأمني الخليجي: تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة لصالح منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وصعود الدور الصيني اقتصادياً وسياسياً، وعودة روسيا كلاعب مؤثّر عبر بوّابة سوريا والطاقة، وتنامي القدرات الصاروخية والمسيّرة لدى إيران وحلفائها من الفاعلين من دون الدول.
يُضاف إلى ذلك تحوّل داخلي لا يقلّ أهمية، يتمثّل في تصاعد وعي دول الخليج بضرورة بناء صناعة عسكرية وطنية، وتطوير منظومات دفاع جوّي متكاملة، والاستثمار في تقنيات الفضاء والسايبر والذكاء الاصطناعي، بوصفها روافع للسيادة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.
الاتفاق السعودي–الإيراني وأثره على المعادلة
شكّل الاتفاق السعودي–الإيراني الموقّع في بكين في مارس 2023 نقطة تحوّل رمزية وعملية في آن. فمن الناحية الرمزية، أشّر إلى قدرة القوى الإقليمية على بناء ترتيبات أمنية دون وصاية غربية مباشرة. ومن الناحية العملية، خفّض منسوب التوتر في عدد من الملفات كاليمن ولبنان والعراق، وإن ظلّت جوهر الخلافات الاستراتيجية قائمة.
ثالثاً: التهديدات الجديدة ومنظومة الردع
لم تعد التهديدات التي تواجه الأمن الخليجي محصورة في الجيوش النظامية والغزو المباشر، بل امتدّت لتشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والمجنّحة والاعتداءات السيبرانية على البنى التحتية الحيوية. هذه التهديدات تفرض بناء منظومة دفاع متعدّدة الطبقات تجمع بين القدرات المضادة للطائرات والصواريخ، والحرب الإلكترونية، وحماية البنية التحتية الحيوية للطاقة والمياه.
استثمرت المملكة العربية السعودية والإمارات في السنوات الخمس الأخيرة عشرات المليارات في صفقات دفاع جوّي متطوّرة، وشرعت في تطوير قدراتها الذاتية عبر شركات كـ«سامي» و«إيدج»، فيما شرعت قطر والكويت في تحديث منظوماتها الجوّية. لكن التحدّي الحقيقي يظلّ في التكامل التشغيلي بين هذه القدرات، وهو ما يستدعي بنية قيادة وسيطرة خليجية موحّدة.
رابعاً: مسارات المستقبل والخيارات المتاحة
يطرح الباحث ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأمن الخليجي خلال العقد القادم: السيناريو الأول هو استمرار المظلّة الأمريكية مع تعديلات جزئية، والثاني هو الانتقال التدريجي نحو تحالفات متعدّدة الأقطاب يتصدّرها اتفاق أمني خليجي مع دور صيني–روسي متصاعد، والثالث هو الوصول إلى ترتيب أمني إقليمي شامل يضمّ إيران وتركيا ضمن إطار متفاوض عليه.
يبقى السيناريو الثاني هو الأرجح على المدى المتوسّط في ظل توازن المصالح الراهن، لكنه يحمل بذور مخاطره الخاصة، إذ يفرض على دول الخليج مهارة استثنائية في إدارة العلاقة مع القوى الكبرى المتنافسة، وتجنّب الوقوع في فخّ الاصطفافات الحادّة التي تضرّ بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
خاتمة وتوصيات
تخلص الدراسة إلى أن بناء منظومة أمن خليجي فاعلة في العقد القادم يستدعي أربعة مسارات متوازية: تعميق التكامل العسكري الخليجي عبر قيادة عمليات مشتركة، وتنويع مصادر التسليح والشراكات الاستراتيجية، والاستثمار المكثّف في التكنولوجيا الدفاعية الوطنية، وأخيراً تطوير الأدوات الدبلوماسية اللازمة لإدارة التنافس بين القوى الكبرى دون الانزلاق إلى محاور الاستقطاب. إن المرحلة القادمة لا تحتمل نصف الحلول، ومن يمتلك المبادرة اليوم سيصنع قواعد اللعبة في الغد.


