
قراءة استراتيجية في التنافس الدولي على ممرّات الملاحة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، وأثره على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي والمصالح العربية.
يمرّ عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات، ما يجعله واحداً من أهم شرايين الاقتصاد الدولي وأحد أخطر بؤر التنافس الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. وقد كشفت أزمة الملاحة الأخيرة، التي استمرّت لأشهر إثر استهداف الحوثيين للسفن، عن هشاشة هذا الممرّ الحيوي وارتفاع كلفة تأمينه.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل بنية التنافس البحري في البحر الأحمر، ورصد أدوار القوى الفاعلة، وتقييم انعكاسات هذا التنافس على الأمن العربي وأمن الطاقة العالمي.
أولاً: الأهمية الجيو-اقتصادية للبحر الأحمر
يمتدّ البحر الأحمر لمسافة تقارب 2250 كيلومتراً بين قناة السويس شمالاً ومضيق باب المندب جنوباً، ويربط بين ثلاث قارات ومنظومتين اقتصاديّتين هائلتين: الأسواق الأوروبية والأمريكية شمالاً، وأسواق آسيا الصاعدة جنوباً وشرقاً. وقد بلغت قيمة البضائع التي تعبره سنوياً ما يزيد على تريليون دولار قبل أزمة 2024.
يضاف إلى ذلك أنه ممرّ رئيسي لناقلات النفط الخام والغاز المسال، إذ يعبره يومياً ما بين 6 و7 ملايين برميل نفط، فضلاً عن كميات هائلة من الحبوب والمواد الأساسية. وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، كما حدث خلال الأشهر الأخيرة.
ثانياً: خارطة القوى المتنافسة
لم يعد البحر الأحمر ساحةً للقوى الإقليمية وحدها، بل أصبح مسرحاً لتنافس دولي معقّد. فالولايات المتحدة تحتفظ بحضور بحري رئيسي عبر الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة جيبوتي، بينما بنت الصين قاعدتها العسكرية الأولى خارج حدودها في جيبوتي أيضاً، وطوّرت قدرات لوجستية لحماية طرق الحزام والطريق البحرية.
تعزّز فرنسا وإيطاليا واليابان وجودها في المنطقة عبر قواعد وقوّات بحرية دائمة، فيما تسعى روسيا لبناء قاعدة لوجستية في السودان، وتركيا لتعزيز حضورها في الصومال وقطر. أما دول المنطقة كمصر والسعودية والإمارات فتسابق الزمن لبناء قدرات بحرية توازي مصالحها الاستراتيجية على هذا الممرّ الحيوي.
أزمة الحوثيين ودروسها
قدّمت أزمة استهداف السفن التي قادها الحوثيون درساً بالغ الأهمية حول قدرة فاعل من دون الدولة على تعطيل التجارة العالمية جزئياً باستخدام مسيّرات وصواريخ منخفضة الكلفة. فقد اضطرّت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بكلفة إضافية تُقدّر بمئات ملايين الدولارات شهرياً، ما رفع أسعار الشحن العالمية وأربك سلاسل التوريد.
ثالثاً: التنافس على القواعد والموانئ
شهدت السنوات الأخيرة سباقاً محموماً على إنشاء قواعد بحرية وشراكات موانئ على طول ساحل البحر الأحمر. فالإمارات استثمرت في موانئ عدن وبربرة وعصب، والصين تدير جزءاً من ميناء جيبوتي، وتركيا تُشغّل ميناء مقديشو، والسعودية تطوّر ميناء الملك عبدالله ومشاريع نيوم البحرية.
هذا التنافس لا يقتصر على البُعد التجاري، بل ينطوي على أبعاد عسكرية واستخباراتية عميقة. فمن يسيطر على شبكة الموانئ على طول الساحل يمتلك أدوات مراقبة وتأثير كبيرة على حركة الملاحة، وقدرة على إسناد عملياته البحرية، ونفوذاً على الدول الساحلية المضيفة.
رابعاً: الأمن البحري العربي والخيارات المتاحة
أطلقت السعودية عام 2020 «مجلس الدول العربية والأفريقية المطلّة على البحر الأحمر وخليج عدن» بوصفه إطاراً لتنسيق الجهود الأمنية والاقتصادية، وهو خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. غير أن تفعيل هذا المجلس يحتاج إلى إرادة سياسية أعمق وموارد عسكرية أكبر ورؤية مشتركة لمواجهة التحدّيات المتنامية.
تحتاج الدول العربية إلى بناء قوّة بحرية إقليمية قادرة على المشاركة الفاعلة في تأمين الممرّات، وتطوير قدرات المراقبة البحرية والفضائية، والاستثمار في تصنيع السفن والغوّاصات الوطنية. كما يستدعي الأمر بناء تحالفات مرنة مع القوى البحرية الصديقة دون التخلّي عن استقلالية القرار.
خاتمة
يمرّ البحر الأحمر بلحظة استراتيجية فارقة، فإما أن يتحوّل إلى بحيرة تعاون إقليمي تحفظ مصالح الدول المطلّة عليه، أو إلى ساحة تنافس دولي مفتوح تدفع شعوب المنطقة ثمن اضطراباتها. والخيار الأول لن يتحقّق إلا بقيادة عربية مبادِرة، تجمع بين الرؤية الاستراتيجية والقدرة العسكرية والدبلوماسية المرنة.


