تحوّلات الإسلام السياسي في العقد الأخير
دراسات دينية

تحوّلات الإسلام السياسي في العقد الأخير

د. يوسف الشمري2026-07-1014 دقيقة

قراءة معمّقة في مسارات الحركات الإسلامية بين المراجعة والتراجع والتكيّف، ورصد لأزمة النموذج بعد سقوط تجارب الحكم وارتدادات الربيع العربي.

شكّل العقد الأخير محطة فارقة في تاريخ حركات الإسلام السياسي، إذ انتقلت من ذروة صعودها في أعقاب الربيع العربي عام 2011، إلى مرحلة تراجع واضح على مستوى النفوذ الجماهيري والحضور السياسي. لم يكن هذا التراجع مجرّد نتيجة لضغوط خارجية، بل عكس أزمة داخلية عميقة في النموذج الفكري والتنظيمي والسياسي لهذه الحركات.

تحاول هذه الدراسة قراءة التحوّلات الجارية داخل حركات الإسلام السياسي بمختلف تيّاراتها، ورصد مسارات المراجعة والتكيّف، وتقييم مآلاتها المستقبلية في ضوء التحوّلات الإقليمية والدولية.

أولاً: من ذروة الصعود إلى أزمة النموذج

منحت موجة 2011 حركات الإسلام السياسي فرصة تاريخية للوصول إلى الحكم في عدد من الدول العربية، من تونس إلى مصر إلى المغرب إلى اليمن. غير أن تجربة الحكم كشفت عن هوّة كبيرة بين الشعارات والقدرة على الإنجاز، وأظهرت عجز هذه الحركات عن تقديم نموذج حكم يجمع بين المرجعية الإسلامية ومتطلّبات الدولة الحديثة.

أفضى ذلك إلى موجة انتكاسات سياسية بدأت بسقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013، وامتدّت إلى تراجعات مماثلة في تونس والمغرب واليمن. هذه الانتكاسات لم تكن مجرّد هزائم سياسية، بل شكّلت اختباراً وجودياً للنموذج ذاته، ودفعت إلى موجات مراجعة داخلية عميقة.

ثانياً: تيّارات المراجعة الفكرية

أفرز العقد الأخير ثلاث موجات مراجعة داخل حركات الإسلام السياسي: الأولى مراجعة براغماتية تدعو إلى الفصل بين الدعوي والسياسي، وقبول قواعد الديمقراطية التعدّدية، والتخلّي عن مشروع «أستذة العالم». والثانية مراجعة جذرية تُشكّك في جدوى العمل السياسي أصلاً، وتدعو للعودة إلى الاشتغال الدعوي والاجتماعي.

أما الموجة الثالثة فهي مراجعة انسدادية ترفض المراجعتين السابقتين، وتُصرّ على استمرار المشروع بأدوات مختلفة، وقد أفرزت في بعض الحالات ميولاً نحو التطرّف والعنف. هذا التنوّع في المراجعات يعكس عمق الأزمة، ويؤشّر إلى أن مستقبل هذه الحركات لن يكون واحداً بل مسارات متعدّدة.

التجربة التونسية والمغربية نموذجاً

تُقدّم تجربتا حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب نموذجين للتكيّف السياسي الذي حاول التوفيق بين المرجعية الإسلامية والمشاركة الديمقراطية. غير أن الحصيلة كانت مخيّبة على المستويين الشعبي والحكومي، ما فتح باب مراجعات أعمق داخل الحركتين حول حدود المشروع وأولوياته.

ثالثاً: تأثير التحوّلات الإقليمية

لعبت التحوّلات الإقليمية دوراً حاسماً في تشكيل مسار حركات الإسلام السياسي. فتراجع الدعم الإقليمي، وضغط المنظومات الأمنية، وتغيّر المزاج الشعبي، وصعود خطاب الدولة الوطنية القوّية، كلّها عوامل ضيّقت هامش الحركة أمام هذه التيّارات. كما أفرز تنافس المحاور الإقليمية انقسامات داخل هذه الحركات بين من قبل بواقع اللحظة ومن رفضه.

على المستوى الجيلي، بدأت شرائح واسعة من الشباب المسلم تبتعد عن التنظيمات الحركية الكلاسيكية، وتبحث عن أشكال أكثر مرونة للتعبير عن هويّتها الإسلامية، سواء عبر المبادرات الاجتماعية والخيرية أو الحضور الرقمي أو المشاركة المدنية غير المؤطّرة تنظيمياً.

رابعاً: مسارات المستقبل

يمكن رصد أربعة مسارات محتملة لمستقبل حركات الإسلام السياسي: الاندماج الكامل في العمل السياسي الديمقراطي كأحزاب محافظة عادية، والانكفاء نحو العمل الدعوي والاجتماعي، والانقسام الداخلي بين تيّار براغماتي وآخر جذري، أو التحوّل نحو أشكال جديدة من الفعل غير التنظيمي.

الأرجح أن نشهد مزيجاً من هذه المسارات في دول مختلفة، مع بروز أشكال جديدة من التديّن السياسي تخرج من عباءة التنظيمات التقليدية، وتنسج علاقتها بالسياسة وفق منطق مختلف عمّا ساد في القرن العشرين.

خاتمة

لم يعد ممكناً قراءة حركات الإسلام السياسي بأدوات التسعينيات، فالعالم تغيّر، والحركات ذاتها في مرحلة إعادة تعريف عميقة لذاتها ومشروعها. وعلى الباحثين ومراكز الفكر متابعة هذه التحوّلات بأدوات جديدة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة، لفهم مسارات هذه الظاهرة التي ستظلّ حاضرة في المشهد العربي والإسلامي وإن بأشكال مختلفة.

دراسات ذات صلة في دراسات دينية

العودة للأرشيف