الطائفية وبناء الدولة الوطنية في المشرق العربي
دراسات دينية

الطائفية وبناء الدولة الوطنية في المشرق العربي

د. ماجد العتيبي2026-04-2212 دقيقة

تحليل لأثر البنى الطائفية في هشاشة الدول العربية في المشرق، وقراءة في مسارات معالجتها وبناء مواطنة جامعة تتجاوز الانقسامات الرأسية.

تكشف مآلات عدد من دول المشرق العربي خلال العقود الأخيرة عن أن الطائفية ليست مجرّد ظاهرة اجتماعية أو عرض جانبي لأزمات سياسية، بل بنية عميقة تتحكّم في مسار بناء الدولة وشكل النظام السياسي وطبيعة العلاقات الاجتماعية. من لبنان إلى العراق إلى سوريا إلى اليمن، تتكشّف كلفة الطائفية على استقرار الدول وقدرتها على البناء والتنمية.

أولاً: الجذور التاريخية للبنى الطائفية

لم تُخلق البنى الطائفية في المشرق العربي من فراغ، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل يمتدّ من نظام الملل العثماني إلى تدخّلات القوى الاستعمارية التي رسّخت تقسيمات طائفية أداةً للسيطرة. غير أن حجم تأثير هذه البنى في السياسة المعاصرة يعود إلى فشل مشاريع الدولة الوطنية في القرن العشرين في بناء هويّة جامعة تتجاوز الانتماءات ما دون الوطنية.

أدّت أنظمة الحكم الشمولية في المنطقة إلى نتيجة مفارِقة: قمع التعبير الطائفي في الظاهر، مع تعميق الانقسامات الطائفية في العمق عبر التمييز الفعلي في الوظائف والموارد والقرار السياسي. وحين ضعفت هذه الأنظمة أو انهارت، انفجرت التوتّرات الطائفية بشكل حادّ.

ثانياً: الطائفية بوصفها مشروعاً سياسياً

تحوّلت الطائفية في العقود الأخيرة من ظاهرة اجتماعية إلى مشروع سياسي واعٍ، تُوظّفه قوى داخلية وإقليمية لأغراض السلطة والنفوذ. فبعض القوى الإقليمية بنت شبكات نفوذها على تعبئة طائفية عابرة للحدود، وبعض النخب المحلّية استخدمت الخطاب الطائفي لتعبئة قواعدها وتأمين حصصها.

أفرز هذا التسييس للطائفية نموذج «الدولة المحاصصة» في العراق ولبنان، والذي أثبت هشاشته وعجزه عن إنتاج تنمية حقيقية أو إدارة رشيدة. كما أفرز في سوريا واليمن حروباً أهلية مدمّرة استندت إلى تعبئة طائفية وإن كانت أسبابها الحقيقية سياسية واقتصادية.

ثالثاً: مسارات المعالجة

لا يمكن تجاوز الطائفية بقرار سياسي فوقي، بل يحتاج الأمر إلى مشروع وطني متكامل يجمع بين الإصلاح السياسي وبناء الاقتصاد المنتج والتعليم الجامع والخطاب الديني المعتدل. فالمعالجة الحقيقية تبدأ من بناء دولة المواطنة التي تُساوي بين أبنائها في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن الانتماء الطائفي.

يستدعي ذلك أيضاً مراجعة نظم المحاصصة السياسية التي تُرسّخ الطائفية دستورياً، وبناء أحزاب سياسية عابرة للطوائف تتنافس على أساس برامجي، وتطوير منظومة إعلامية وتعليمية تُعيد بناء الهويّة الوطنية الجامعة على قاعدة الاعتراف بالتنوّع دون تسييسه.

خاتمة

الطائفية ليست قدراً محتوماً، بل نتاج خيارات سياسية واجتماعية يمكن تجاوزها بخيارات مغايرة. تجارب عدد من الدول أثبتت أن بناء الدولة الوطنية الجامعة ممكن حتى في المجتمعات المتنوّعة طائفياً، شرط توفّر الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية والمشروع الوطني الجامع الذي يُقدّم الانتماء للوطن على أيّ انتماء آخر.

دراسات ذات صلة في دراسات دينية

العودة للأرشيف