
تحليل معمّق للسيناريوهات المطروحة لمستقبل قطاع غزّة بعد الحرب، وتأثير هذه السيناريوهات على القضية الفلسطينية والمنطقة العربية والتوازنات الإقليمية.
أعادت الحرب على غزّة التي انطلقت في أكتوبر 2023 القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام الدولي بعد سنوات من التهميش، لكنها فرضت في الوقت ذاته أسئلة استراتيجية بالغة التعقيد حول مستقبل القطاع والقضية والمنطقة برمّتها. لم يعد الحديث عن «اليوم التالي» ترفاً بحثياً، بل ضرورة عاجلة لصياغة رؤية عربية وفلسطينية جامعة تحول دون فرض حلول قسرية.
أولاً: حصيلة الحرب وتحوّلاتها
خلّفت الحرب حصيلة إنسانية ومادّية غير مسبوقة في تاريخ الصراع، مع تدمير ما يزيد على 70% من البنية التحتية في القطاع، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى، وتشريد شبه كامل لسكّان القطاع. تجاوزت الكلفة الاقتصادية للتدمير 80 مليار دولار وفق تقديرات الأمم المتحدة، وتحتاج عملية إعادة الإعمار إلى عقود لا سنوات.
على المستوى الاستراتيجي، أنهت الحرب مرحلة الاستقرار الهشّ الذي ساد منذ عام 2007، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول جدوى نموذج «إدارة الصراع» الذي تبنّته إسرائيل، وحول قدرة النموذج الأمني الإسرائيلي على تحقيق الردع، وحول مستقبل السلطة الفلسطينية ومدى قدرتها على تمثيل الفلسطينيين.
ثانياً: السيناريوهات المطروحة
يمكن رصد أربعة سيناريوهات رئيسية مطروحة لمستقبل غزّة: أوّلها سيناريو الإدارة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، الذي ترفضه غالبية الأطراف الإقليمية والدولية. وثانيها سيناريو قوّة عربية أو دولية انتقالية تتولّى إدارة القطاع لفترة محدّدة قبل تسليمه لسلطة فلسطينية موحّدة.
أما الثالث فهو سيناريو عودة السلطة الفلسطينية بشكل مباشر لإدارة القطاع، وهو ما يواجه تحدّيات جسيمة في ظلّ ضعف السلطة داخلياً وتراجع شرعيّتها. والرابع هو سيناريو التهجير القسري الذي طُرح في مرحلة من مراحل الحرب وواجه رفضاً عربياً ودولياً حاسماً.
شرط الحلّ السياسي الشامل
أظهرت الحرب أن أيّ حلّ مؤقّت لمشكلة غزّة معزولاً عن المسار السياسي الشامل للقضية الفلسطينية سيكون هشّاً وعرضة للانهيار السريع. الحلّ المستدام يستدعي مساراً سياسياً واضحاً نحو الدولة الفلسطينية على حدود 1967 بعاصمتها القدس الشرقية، مع ضمانات دولية وإقليمية جدّية تحول دون انهيار المسار كما حدث سابقاً في أوسلو.
ثالثاً: التحوّلات الإقليمية
أحدثت الحرب تحوّلات إقليمية عميقة على أكثر من مستوى. فمن جهة، أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الوعي الجماهيري العربي والإسلامي بعد سنوات من التهميش، ومن جهة أخرى، أربكت مسارات التطبيع التي كانت تشقّ طريقها قبل الحرب. كما فرضت الحرب على دول المنطقة إعادة تقييم علاقاتها مع تل أبيب في ضوء حجم الكارثة الإنسانية.
على مستوى محور المقاومة، شكّلت الحرب اختباراً صعباً لقدراته وشبكاته الإقليمية، وأفضت إلى تحوّلات في موازين القوى ستظلّ آثارها ممتدّة لسنوات. أما إسرائيل، فقد كشفت الحرب عن أزمات داخلية عميقة تتعلّق بالانقسام السياسي والمجتمعي، وبمحدودية القوّة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية.
رابعاً: الدور العربي المطلوب
تواجه الدول العربية مسؤولية تاريخية في المرحلة القادمة، تتجاوز الدعم الإنساني الطارئ نحو صياغة موقف استراتيجي جامع من ملفّات إعادة الإعمار والحلّ السياسي والمصالحة الفلسطينية. ينبغي أن يكون الشرط العربي لأيّ مشاركة في إعادة الإعمار هو الالتزام بمسار سياسي جادّ نحو حلّ الدولتين.
كما يستدعي الأمر دعماً حاسماً لمسار المصالحة الفلسطينية الداخلية وبناء منظّمة تحرير فلسطينية موحّدة وممثّلة، وإصلاح السلطة الفلسطينية بما يعيد لها شرعيّتها، والاستفادة من الاعتراف الدولي المتنامي بالدولة الفلسطينية لبناء مسار سياسي جديد أكثر توازناً.
خاتمة
غزّة اليوم مرآة للمنطقة، ومصيرها سيحدّد إلى حدّ بعيد شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة. فإما أن ننجح في تحويل هذه اللحظة الفارقة إلى نقطة انعطاف نحو حلّ عادل ومستدام يُعيد للفلسطينيين حقوقهم ويُنهي أطول احتلال في العصر الحديث، أو أن نمرّر فرصة تاريخية تُبقي المنطقة في دوّامة الصراع لعقود إضافية. الخيار عربي بامتياز، والمسؤولية جسيمة.


