
تشريح لمرحلة جديدة من الملف النووي الإيراني بعد التطوّرات الأخيرة، ورصد لتداعياته الإقليمية على الأمن الخليجي وموازين الردع في الشرق الأوسط.
دخل الملف النووي الإيراني مرحلة أكثر خطورة من أيّ وقت مضى، بعد أن رفعت طهران مستوى تخصيبها إلى حدود لم يعد يفصلها كثيراً عن مستوى الأسلحة، وسط انهيار شبه كامل لمسار الاتفاق النووي (JCPOA) الذي وُقّع عام 2015. تُفرز هذه اللحظة الحرجة سيناريوهات بالغة الخطورة على الأمن الإقليمي والدولي، وتستدعي قراءة معمّقة لمساراتها المحتملة.
أولاً: من الاتفاق إلى الانهيار
شكّل الاتفاق النووي عام 2015 محاولة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني عبر قيود صارمة على مستويات التخصيب وأعداد أجهزة الطرد المركزي، مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق عام 2018 وعودة العقوبات القصوى، أفضى إلى ردٍّ إيراني تصاعدي رفع مستويات التخصيب تدريجياً حتى تجاوز 60% مؤخّراً.
بلغت جولات المفاوضات المتعدّدة لإحياء الاتفاق طريقاً مسدوداً، وسط تعقيدات إقليمية مرتبطة بحرب أوكرانيا وحرب غزّة، وتصلّب متبادل في المواقف بين واشنطن وطهران. أدّى ذلك إلى تفكّك المنظومة الرقابية للوكالة الدولية للطاقة الذرّية على البرنامج الإيراني، وضياع القدرة على رصد تفاصيل ما يجري داخله بشكل موثوق.
ثانياً: الوضع التقني الراهن
تكشف تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرّية عن أن إيران باتت تمتلك مخزوناً من اليورانيوم المخصّب بمستويات مختلفة يكفي، من الناحية النظرية البحتة، لإنتاج عدد من الأسلحة النووية إذا قرّرت السير في هذا الاتجاه واتّخذت قرار «الاختراق النووي». المسافة الزمنية بين القرار السياسي والقدرة الفعلية على إنتاج سلاح باتت قصيرة جدّاً.
غير أن امتلاك المادّة الانشطارية شيء، وامتلاك السلاح القابل للاستخدام شيء آخر يتطلّب تطوير الرؤوس الحربية ووسائل الإيصال والاختبار. تُشير التقديرات إلى أن إيران تمتلك الأساسيات التقنية لكلّ هذه المراحل، لكن الاختبار العلني سيكون قراراً سياسياً بالغ الحساسية له تبعاته الدولية الجسيمة.
الخيار العسكري وحساباته
يُطرح الخيار العسكري لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي بشكل متكرّر، خاصّة من أطراف إسرائيلية وأمريكية. غير أن الحسابات العملية تُظهر أن ضربة عسكرية قد تُؤخّر البرنامج سنوات لا أكثر، مع كلفة هائلة على المستوى الإقليمي، بما في ذلك ردود فعل إيرانية واسعة على المصالح الغربية والخليجية، واضطرابات كبرى في أسواق الطاقة العالمية.
ثالثاً: التداعيات على الأمن الخليجي
يُشكّل التطوّر النووي الإيراني تهديداً استراتيجياً مباشراً على الأمن الخليجي، ليس فقط بسبب احتمال المواجهة العسكرية، بل بسبب اختلال ميزان الردع الإقليمي إن اقتربت إيران من العتبة النووية. مثل هذا الاختلال قد يُفضي إلى موجة انتشار نووي إقليمي، حيث ستُعيد دول كبرى في المنطقة النظر في خياراتها الاستراتيجية.
من هنا، يكتسب مسار التفاوض السعودي–الإيراني والاتفاق الموقّع في بكين أهمّية استراتيجية إضافية، بوصفه محاولة لخلق قناة تفاهم إقليمية توازي المفاوضات الغربية–الإيرانية المتعثّرة، وتضع أسساً لحوار خليجي–إيراني حول قضايا الأمن الإقليمي بما فيها البُعد النووي.
رابعاً: المسارات المطلوبة
لا يوجد حلّ سهل للملف النووي الإيراني، لكن تجميد التصعيد يستدعي مقاربة متعدّدة المسارات: الأول هو استئناف مفاوضات دولية بشروط جديدة تُراعي التحوّلات التي طرأت منذ 2015، والثاني هو بناء حوار إقليمي جادّ يشمل دول الخليج حول ترتيبات أمنية شاملة، والثالث هو تعزيز الرقابة الدولية وضمان شفافية البرنامج.
على المستوى الخليجي، لا بديل عن الاستثمار في منظومات دفاع جوّي متقدّمة، وتطوير القدرات الاستخباراتية والاستراتيجية، وبناء شبكة تحالفات مرنة تحفظ الأمن الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة. كما يبقى العمل الدبلوماسي الاستباقي أفضل أدوات إدارة هذا الملف الحسّاس.
خاتمة
الملف النووي الإيراني ليس ملفّاً تقنياً بحتاً، بل قضية استراتيجية شاملة تمسّ الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي وأسواق الطاقة العالمية. والمرحلة القادمة تحتاج إلى دبلوماسية إقليمية ودولية استثنائية، تجمع بين الحزم في منع الانتشار النووي والحكمة في تجنّب الانزلاق إلى مواجهة كارثية، بما يحفظ الأمن للجميع ويصون مستقبل المنطقة.


