
قراءة ميدانية مفصّلة في الحرب السودانية الجارية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتحليل لخريطة الفاعلين المحلّيين والإقليميين والدوليين وأثر الحرب على محيطها.
دخلت الحرب السودانية عامها الرابع دون أن تلوح في الأفق نهاية قريبة، فيما تتفاقم كلفتها الإنسانية والاستراتيجية على السودان ومحيطه الإقليمي. تحوّل هذا البلد الذي يمتلك موقعاً جيو-استراتيجياً بالغ الأهمية إلى ساحة حرب مدمّرة تعيد رسم خرائط السلطة والثروة والسكّان، وتفتح الباب أمام تدخّلات إقليمية ودولية معقّدة.
أولاً: جذور الأزمة وتفجّرها
لم تكن حرب أبريل 2023 حدثاً مفاجئاً بقدر ما كانت نتيجة تراكم طويل من التوتّرات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي توتّرات تعود جذورها إلى طبيعة نشأة قوات الدعم السريع كذراع موازية للجيش، ومحاولة دمجها في المؤسّسة العسكرية الرسمية بعد سقوط نظام البشير عام 2019.
أخفقت الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة في بناء مسار توافقي حقيقي بين المكوّنات السياسية والعسكرية، وأفضى الانقلاب على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021 إلى انسداد سياسي عميق، تحوّل تدريجياً إلى صراع مسلّح مفتوح بين الطرفين العسكريين الرئيسيين.
ثانياً: خريطة الفاعلين المحلّيين
يتصدّر المشهد المحلّي طرفان رئيسيان: الجيش السوداني بقيادة الفريق البرهان، الذي يحتفظ بشرعية دستورية نسبية وسيطرة على معظم مؤسّسات الدولة، وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، التي تسيطر على أجزاء واسعة من دارفور وأطراف الخرطوم وأجزاء من الجزيرة.
إلى جانب الطرفين الرئيسيين، تتحرّك قوى سياسية ومسلّحة متعدّدة: تنسيقية «تقدّم» المدنية، والحركات المسلّحة الموقّعة على اتفاق جوبا، وحركات مسلّحة أخرى في دارفور، وقوى قبلية محلّية اضطرّت لتشكيل مجاميع دفاع ذاتي في ظلّ انهيار الدولة. هذا التشظّي يُعقّد أيّ مسار للحلّ السياسي.
الكلفة الإنسانية
أفرزت الحرب أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم، مع تشريد أكثر من عشرة ملايين شخص داخل السودان وخارجه، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وانهيار شبه كامل للبنى التحتية الصحية والتعليمية في مناطق واسعة. تحذّر منظّمات دولية من مجاعة واسعة النطاق تُهدّد ملايين السودانيين في السنة القادمة.
ثالثاً: التدخّلات الإقليمية والدولية
تحوّل السودان إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي واضح، مع تباين مصالح الفاعلين الخارجيين وأدواتهم. مصر تُبدي دعمها للجيش انطلاقاً من اعتبارات أمنها القومي وملف مياه النيل، فيما تحتفظ الإمارات بشبكة علاقات معقّدة مع أطراف الصراع في إطار مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.
على المستوى الإقليمي الأوسع، تتحرّك تركيا وإيران وإسرائيل وروسيا كلٌّ وفق أجندتها الخاصّة، فيما تحاول السعودية والولايات المتحدة قيادة مسار تفاوضي عبر منبر جدّة الذي شهد جولات متعدّدة دون اختراق حقيقي. هذا التنافس يُطيل أمد الحرب ويُعقّد أيّ مسار للتسوية.
رابعاً: مسارات المستقبل
تلوح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة السودانية: استمرار الحرب بشكل استنزافي مع تكريس واقع سيطرة كلّ طرف على مناطق نفوذه، أو انتصار عسكري لأحد الطرفين مع كلفة باهظة، أو التوصّل إلى تسوية سياسية عبر ضغط إقليمي ودولي منسّق. الأرجح على المدى القصير هو استمرار الحرب بوتيرة أقلّ حدّة.
أيّ حلّ حقيقي وطويل الأمد يستدعي إعادة بناء العقد الاجتماعي السوداني على أسس جديدة، تتضمّن الفصل بين المؤسّسة العسكرية والحياة السياسية، ومعالجة قضايا العدالة الانتقالية، وبناء نظام حكم يعالج التهميش التاريخي لأطراف السودان، ويُعيد بناء الاقتصاد على أسس منتجة.
خاتمة
الأزمة السودانية ليست شأناً سودانياً خالصاً، بل قضية عربية وإفريقية ذات أبعاد استراتيجية عميقة. وعلى الدول العربية، وفي مقدّمتها دول الخليج، أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في إسناد مسار الحلّ السياسي، وتقديم الدعم الإنساني الذي يمنع كارثة إنسانية أوسع، وذلك حفاظاً على أمن المنطقة برمّتها.


